النزاع يؤثر في شعور الطفل بالأمان
عندما يدخل الوالدان في نزاعات طويلة الأمد، يتأثر الطفل نفسياً في معظم الأحيان. ويحدث ذلك حتى عندما يعتقد الوالدان أن الطفل «لا يلاحظ شيئاً». فالأطفال شديدو الحساسية للأجواء والتوترات وتغيرات الولاء داخل الأسرة. وفي كثير من نزاعات الحضانة، لا يكون الانفصال نفسه هو الأكثر إضراراً بالطفل، بل استمرار النزاع بعده.
من الناحية النفسية، يحتاج الأطفال إلى الاستقرار وإمكانية توقع ما سيحدث والأمان العاطفي. وعندما يكون الوالدان في نزاع دائم، يعيش الطفل غالباً حالة من التوتر المزمن. وقد يظهر ذلك في صورة قلق أو صعوبات في النوم أو مشكلات في التركيز في المدرسة أو تغير في السلوك في المنزل.
يصبح بعض الأطفال عدوانيين وغاضبين. بينما يصبح آخرون صامتين ومنعزلين، ويحاولون «الاختفاء» حتى لا يتسببوا في مزيد من المشكلات. ويصاب كثير من الأطفال أيضاً بيقظة مفرطة. فيحاولون باستمرار استشعار مزاج والديهم لتجنب النزاع التالي. ويعني ذلك نفسياً أن الطفل يبدأ بالعيش في حالة تأهب دائم.
الأطفال يتحملون مسؤولية نزاع الكبار
يُلاحظ كثيراً في المحاكم وفي العمل المتعلق بقانون الأسرة أن الأطفال يتحملون مسؤولية تقع في الأصل على عاتق الكبار. فيحاولون التوسط بين الوالدين، أو مواساة أم أو أب حزين. وقد يقولون ما يعتقدون أن أحد الوالدين يريد سماعه لتخفيف النزاعات.
هذه مسؤولية نفسية ثقيلة على الطفل. وقد تؤثر على المدى الطويل في تقديره لذاته، وشعوره بالأمان في العلاقات، وتطور هويته الشخصية.
عندما يبتعد الطفل عن أحد والديه
من الموضوعات المثيرة للنقاش في نزاعات الحضانة ما يُسمى عادةً «الاغتراب الوالدي». ويقصد به حالات يبتعد فيها الطفل تدريجياً عن أحد والديه. ويكون هناك اشتباه في أن الوالد الآخر أثّر، بوعي أو من دون وعي، في نظرة الطفل إليه.
الأبحاث في هذا المجال معقدة ومثيرة للجدل أحياناً. لكن هناك اتفاقاً واسعاً على أن الأطفال قد يتأثرون بشدة بالرسائل السلبية عن الوالد الآخر. ومن الناحية النفسية، غالباً ما يتماهى الطفل مع الوالد الذي يشعر بأنه أكثر اعتماداً عليه عاطفياً. وإذا شعر الطفل بأن الحب أو الأمان مشروط بالابتعاد عن الوالد الآخر، فقد يبدأ في تكييف مشاعره وفقاً لذلك.
وفي الوقت نفسه، من المهم فهم أن رفض الطفل لقاء أحد والديه لا يكون دائماً نتيجة تلاعب. ففي بعض الحالات، يستند هذا الرفض إلى تجارب حقيقية عاشها الطفل. لذلك يُعد هذا من أصعب المجالات نفسياً وقانونياً. وغالباً ما تحاول المحاكم فهم أسباب رد فعل الطفل. كما تحاول معرفة ما إذا كان موقفه مستقلاً أم متأثراً بالنزاع المحيط به.
يحتاج الأطفال إلى البقاء بعيداً عن تفاصيل النزاع
لطريقة الحديث مع الأطفال أثناء نزاع الحضانة أهمية حاسمة أيضاً. ويخطئ كثير من الوالدين عندما يتحدثون مع الطفل كما لو كان طرفاً بالغاً في النزاع. فيخبرونه بتفاصيل الإجراءات القضائية أو الشؤون المالية أو الاتهامات الموجهة إلى الوالد الآخر.
يضع ذلك عبئاً نفسياً هائلاً على الطفل. فهو لا يملك القدرة على التعامل عاطفياً مع هذا النوع من المعلومات. ولا يحتاج الأطفال إلى معرفة تفاصيل نزاع الكبار. بل يحتاجون إلى الشعور بأن من حقهم أن يعيشوا طفولتهم.
صراعات الولاء تسبب توتراً داخلياً
يكون الأطفال في حال أفضل عندما لا يضطرون إلى الانحياز إلى أحد الوالدين. وعندما يشعر الطفل بأن حبه لأحد والديه يهدد علاقته بالآخر، ينشأ ما يُسمى «صراع الولاء». وهو مصدر توتر داخلي شديد للطفل.
يحاول كثير من الأطفال حينها التكيف بقول أشياء مختلفة لكل من الوالدين لتجنب النزاعات. وقد يبدو من الخارج أحياناً أن الطفل «يكذب». لكن الأمر يتعلق نفسياً في كثير من الأحيان باستراتيجيات للبقاء. فالطفل يحاول حماية علاقته بكلا والديه في الوقت نفسه.
عندما يتولى الطفل أدوار الكبار
يُلاحظ أيضاً في الممارسة العملية أن بعض الأطفال يبدأون بتولي أدوار الكبار داخل الأسرة. فيحاولون تهدئة أحد الوالدين، أو الحفاظ على النظام في المنزل، أو تحمل مسؤولية إخوتهم الأصغر سناً.
يُسمى ذلك أحياناً «إسناد الدور الوالدي إلى الطفل». ويعني أن الطفل يُدفع عاطفياً إلى التصرف بنضج يفوق ما هو مستعد له فعلياً. وقد يبدو الطفل ناضجاً وقوياً من الخارج. لكن وراء هذا المظهر غالباً ما يوجد توتر وشعور بالذنب وإنهاك عاطفي.
علامات تدل على تدهور حال الطفل النفسية
هناك أيضاً علامات واضحة تدل على أن الطفل بدأ يعاني نفسياً أثناء نزاع الحضانة. ففي بعض الحالات، يبدأ بالتعبير عن شعور شديد بالذنب، ويشعر بأنه مسؤول عن النزاع بين والديه. ويكون الأمر خطيراً بشكل خاص عندما يبدأ الأطفال بالاعتقاد بأن عليهم «حل» الوضع بأنفسهم حتى تستقيم حياة الأسرة.
- ألم في البطن قبل لقاء أحد الوالدين في إطار حق الزيارة والتواصل، أو قبل الذهاب إلى المدرسة.
- مشكلات في النوم أو قلق أو تقلبات مزاجية مفاجئة.
- تراجع التركيز في المدرسة.
- العزلة الاجتماعية.
- شعور شديد بالذنب وبالمسؤولية عن النزاع.
مصلحة الطفل الفضلى في التقييم القانوني
من المنظور القانوني، تكتسب الحالة النفسية أهمية كبيرة. فنزاع الحضانة يقوم على مبدأ مصلحة الطفل الفضلى. لذلك لا تنظر المحكمة إلى المسائل العملية وحدها، مثل السكن والجدول الزمني. بل تنظر أيضاً إلى أمان الطفل العاطفي وتعلقه العاطفي وصحته النفسية.
لذلك قد يُقيَّم الوالد الذي يتسبب بشكل فعّال في تفاقم النزاع، أو يضع الطفل في صراعات ولاء، على أنه أقل ملاءمة من حيث القدرة على الرعاية. وقد يحدث ذلك حتى في غياب أي خطر جسدي على الطفل.
الحق في حب كلا الوالدين
الأهم من المنظورين النفسي والقانوني هو أن يحتفظ الطفل بحقه في حب كلا والديه، دون شعور بالذنب أو خوف أو ضغط. فغالباً ما يقع الضرر الأكبر في نزاعات الحضانة عندما يشعر الطفل بأن حبه لأحد والديه يعني خيانة الآخر.